الشيخ أحمد فريد المزيدي
203
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
فقال الوليد : ما رأيت طائرا أسرع منه ، فوثب قائما بين يدي ، فعجبت من سرعة قيامه ، فقلت : يا هذا أعلمت لما قمت ؟ فقال : نعم ، ألم تقل : أفيكم من يقوم للسيف ؟ فقلت له : نعم . فقال : ولم قمت ؟ قال : علمت أن الدنيا سجن المؤمن ، فأحببت أن أخرج إلى دار الفوز ، وأن أؤثر أصحابي عليّ بالعيش ولو ساعة ، ولعلّي أقتل ، فيطفى الشر بي ، فيسلم جميعهم ولا يقتل أحد غيري . قال الصاحب : فعجبت من فصاحته . فقلت : أجب القاضي . فتغير لونه ، وسالت عبرته على خده ، فقال : أودعاني القاضي ؟ قلت : نعم دعاك . قال : فحقّا عليّ إجابته . فدخلت وهو معي ، فأخبرت الملك والقاضي بقصته ، فتعجبا منه ، وسأله القاضي عن مسألة غميضة ؟ فقال : من أنت ؟ ولم خلقت ؟ وما أراد اللّه بخلقك ؟ وأين هو ربك منك ؟ فقال : ومن أنت الذي تسألني ؟ فقال : أنا قاضي القضاة . فقال له : إذا لا ربّ غيرك ، ولا معبود سواك ، أنت قاضي القضاة ، وهذا يوم الفصل والقضاء ، والناس قد حشروا ضحى ، فأين النفخة في الصور التي قال اللّه فيها : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [ الزمر : 68 ] ، أنا ممن صعق أم أنا ممن شاء اللّه الذي لم أشهد النفخ ؟ فبهت القاضي زمانا ، وقال : يا هذا ، جعلت منّى إلها ؟ قال : معاذ اللّه ، بل أنت تألّهت حيث تسميت بقاضي القضاة ، وليس قاضي القضاة إلا القاضي الذي يقضي ولا يقضى عليه ، أضافت عليك الأسماء ، أما كفاك قاضي المسلمين ، أو أحد الفقهاء ، أم أحد من عباد اللّه حتى تسميت بقاضي القضاة ؟ ! إذا استكبرت أن تقول أنا علي بن أبي ثور ، فما زال يقرعه حتى بكى القاضي ، وهمّ أن تزهق نفسه ، وبكى الملك لبكائه ، وبكى الجنيد ، فقال لتلميذه : اقصر من عتابك للقاضي ؛ فقد قتلته ، فخلّ سبيله . فلما أفاق القاضي قال : يا أبا الحسن ، أجبني عن مسألتي ، وأنا أتوب إلى اللّه بين يديك . فقال : اذكر مسألتك ؛ فإني نسيتها . فأعاد مسألته ، فنظر عن يمينه ، وقال : أتجاوبه ؟ ثم قال : حسبي اللّه ، ثم فعل عن يساره مثل ذلك ، ثم نظر أمامه ، وقال : أتجاوبه ؟ ثم قال : الحمد للّه ، ثم رفع رأسه إلى القاضي ، وقال له : أما قولك يرحمك اللّه من أنت ؟ فأنا عبد اللّه ؛ لقوله تعالى : إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً [ مريم : 93 ] ، وأما قولك لماذا خلقت ؟ فكان اللّه كنز لا يعرف ، فخلقني لمعرفته ، قال تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] : أي ليعرفون ، كذا قال ابن عباس وغيره ، وأما قولك ما أراد اللّه بخلقي ؟ فما أراد بي إلا كرامتي ، قال تعالى : وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ [ الإسراء : 70 ] ، وأما قولك أين ربك منك ؟ فهو مني حيث أنا